الشيخ محمد مكي نصر الجريسي
188
نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن
فقال : ما للصحابة ولا لغيرهم في رسوم للقرآن ولا شعرة واحدة ، وإنما هو توقيف من النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على الهيئة المعروفة بزيادة الألف ونقصانها لأسرار لا تهتدي إليها العقول ، وهو سرّ من الأسرار خصّ اللّه به كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية ؛ فلا يوجد شيء من هذا الرسم لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في غيرها من الكتب السماوية ، فكما أن نظم القرآن معجز فرسمه معجز أيضا ، وكيف تهتدي العقول إلى سرّ زيادة الألف في مِائَةَ [ البقرة : الآية 259 ] دون فِئَةٍ [ البقرة : الآية 249 ] ، وإلى سرّ زيادة الياء في ( بأييد ) [ الذاريات : الآية 47 ] وبأيّيكم [ القلم : الآية 6 ] أم كيف تتوصل إلى سرّ زيادة الألف في سَعَوْا [ الآية 51 ] بالحج ونقصانها من سَعَوْا [ الآية 5 ] بسبإ ، وإلى سر زيادتها في عَتَوْا [ الأعراف : الآية 166 ] حيث كان ونقصانها من وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً ( 21 ) [ الآية 21 ] بالفرقان ؛ وإلى سر زيادتها في يَعْفُوَا الَّذِي [ البقرة : الآية 237 ] ونقصانها من يَعْفُوَ عَنْهُمْ [ الآية 99 ] بالنساء ؟ وإلى سر زيادتها في آمَنُوا [ البقرة : الآية 9 ] وإسقاطها من وَباؤُ [ البقرة : الآية 61 ] و جاؤُ [ آل عمران : الآية 184 ] و تَبَوَّؤُا [ الحشر : الآية 9 ] و فاؤُ [ الآية 226 ] بالبقرة ؟ أم كيف تبلغ العقول إلى وجه حذف بعض أحرف من كلمات متشابهة دون بعض ؛ كحذف الألف من قُرْآناً [ الآية 2 ] بيوسف و [ الآية 3 ] بالزخرف ، وإثباتها في سائر المواضع ، وإثبات الألف بعد واو سَماواتٍ [ الآية 12 ] في فصّلت ، وحذفه من غيرها ؟ وإثبات الألف في الْمِيعادِ [ الأنفال : الآية 42 ] مطلقا ، وحذفها من موضع الأنفال ؟ وإثبات الألف في سِراجاً [ الآية 61 ] حيث وقع ، وحذفها من موضع الفرقان ؟ وكيف يتوصل إلى فتح بعض التاءات ، وربطها في بعض ؟ فكلّ ذلك لأسرار إلهية وأغراض نبوية ، وإنما خفيت على الناس لأنها أسرار باطنية لا تدرك إلا بالفتح الربّاني ، فهي بمنزلة الألفاظ والحروف المتقطّعة التي في أوائل السور ؛ فإن لها أسرارا عظيمة ومعاني كثيرة ، وأكثر الناس لا يهتدون إلى أسرارها ولا يدركون شيئا من المعاني الإلهية التي أشير إليها ، فكذلك أمر الرسم الذي في القرآن حرفا بحرف . [ اه . باختصار من الجوهر الفريد ] . وقال السيوطي في الإتقان : « وأعظم فوائد رسم القرآن أنه حجاب منع أهل الكتب أن يقرءوه على وجه واحد دون موقف » . وقال صاحب غنية الطالبين : « إن القرآن لم يجتمع في عهد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في مصحف واحد ، وإنما كانت الصحابة رضي اللّه عنهم قبل